حسن الأمين

58

مستدركات أعيان الشيعة

ماتت في أثناء ذلك وخلفها على العرش ابنها « بولس الأول » . وكان هذا راغبا عن غزو إيران لأسباب سياسية واقتصادية وشخصية . فلم يلبث حين اعتلى العرش أن أصدر أمره إلى الجيش الغازي بالتراجع عن إيران . وبذلك استراح « آقا محمد خان » من هم عظيم . وأراد « آقا محمد خان » إرسال جيش إلى بخارى لقمع أميرها « الشاه سعيد خان » ، وكان قد تمرد وأعلن استقلال بلاده عن حكم « آقا محمد خان » . ولكن بلغه أن « إبراهيم خليل خان » ، حاكم « قراباغ » قد عاد فعصى ونقض عهد الصلح الذي رفع « آقا محمد خان » بمقتضاه الحصار عن « شوشي » ومضى عنها كما ذكرنا سابقا . فانصرف « آقا محمد خان » عن غزو بخارى وعزم على مهاجمة « إبراهيم خان » في « شوشي » عاصمة ولاية « قراباغ » . وسير الجيش الذي كان قد أعده لمحاربة الروس إلى آذربيجان ليعبر نهر « أرس » إلى « شوشي » لاخضاع « إبراهيم خليل خان » . ولما بلغ خبر مسيره إلى حاكم « قراباغ » عمد إلى تخريب الجسر المعقود على النهر ، كما فعل في الحرب السابقة ، ليمنع « آقا محمد خان » من عبوره إلى « شوشي » . وهي تقع وراء ساحل النهر الشمالي . وطريق « آقا محمد خان قاجار » تنتهي إلى ساحله الجنوبي ، فعليه أن يعبر النهر إليها . وعسكر « آقا محمد خان » في جنوب النهر بعيدا عن الساحل . وأخذ يعد عدته لجمع ما يحتاجه من الزوارق لنقل جنوده إلى الساحل الشمالي ، وكان هذا العمل يقتضيه وقتا طويلا . فاغتنم « إبراهيم خليل خان » الفرصة وحقق خطة حربية هي مغامرة عجيبة تذكر بمغامرة « أنيبال » ومغامرة « نابليون » باجتيازهما جبال الألب . حمل « إبراهيم خليل خان » زوارق صغيرة من النواحي السفلى من النهر التي ينحدر الماء نحوها ، وصعد بها إلى النواحي العليا التي ينحدر الماء منها . حملها على عربات سارت بها على اليابسة ، إذ كان إصعادها في الماء متعذرا بسبب قوة التيار ، والوقت ربيع وقت الفيضان ، فهي لا تقوى على معارضة الماء . ووضع الزوارق على الساحل الشمالي في موازاة معسكر « آقا محمد خان » القائم وراء الساحل الجنوبي . ووصل بجوانب الزوارق ألواحا عالية من الخشب جعلت جوانب الزوارق مرتفعة كالجدران . وثبت أحد الزوارق تثبيتا متينا على الأرض ووصله بزورق آخر ألقاه في الماء . ووصل به آخر . وهكذا جعل يصل زورقا بزورق حتى انتهى بآخرها إلى الساحل الجنوبي فثبته في الأرض تثبيتا محكما . وملأ الزوارق بالحجارة . وجعل بين الحجارة فجوة يستطيع أن يجلس رجل فيها . فعل ذلك كله ليلا لئلا يكشفه معسكر « آقا محمد خان » . وأجلس في كل زورق جنديا . فلما انتهى العمل خرق الجنود الذين في الزوارق قعورها فاندفع الماء إليها . ووثب الجنود منها إلى زوارق أخرى كانت معدة لحملهم إلى الشاطيء . وغرقت الزوارق المحزوقة في الماء وثبتت في القعر لثقلها ، وظلت الألواح التي وصلت بجوانبها قائمة على وجه الماء كالسد ، تحول دون اطراد الماء . فانحرف معظم الماء إلى الساحل الجنوبي إذ كان في ذلك المكان أوطا من الساحل الشمالي . وكان نهر « أرس » العظيم يومئذ في [ إب ] إبان فيضانه . فاندفع ماؤه سيلا جارفا إلى معسكر « آقا محمد خان » فأطبق عليه ، والوقت بعيد منتصف الليل والعسكر نيام . وأفاق « آقا محمد خان » وجنوده مذعورين وتعالت ضوضاء الصياح من كل جانب : سيل ! سيل ! وتفرق الجند هاربين في كل النواحي ، وتخلصت خيولهم من الماء ، وقد غمرها حتى صدورها ، وغرق المعسكر كله ، من متاع وعتاد وسلاح وخيام ، في السيل ، وسلمت المدافع فقط ، إذ كانت قد أقيمت على مرتفعات ، والجند يتساءلون من أين جاء السيل ؟ ! ولم يتبينوا مصدر السيل إلا حين أصبح الصباح . وعندئذ أمر « آقا محمد خان بضرب ذلك السد الخشبي بالمدافع فهدمه وانقطع السيل عن معسكره ، ولكن بعد أن أوقع فيه خسائر جسيمة وحمل الجند مشقات كبيرة في استخلاص السلاح والمتاع من الماء والوحل وغسلها وتجفيفها ، وجرف كل ما فيه من مؤن وعلوفة ، وبعض الأسلحة والتجهيزات الأخرى . وتبين لهم بعد جمع ما أبقى عليه السيل أنهم أصبحوا بحاجة إلى أربعة آلاف بندقية وطبنجة وحوالي خمسة آلاف لحاف وأشياء أخرى . بعد ذلك أمر « آقا محمد خان » بنقل جنوده بالزوارق إلى الشاطيء الآخر الشمالي . فتح قلعة فناه آباد ثم عزم على السير إلى « شوشي » حيث يتحصن « إبراهيم خليل خان » لفتحها والقبض على الحاكم المتمرد . وكانت طريقه إلى « شوشي » تعترضها قلعة صغيرة ، قبل الوصول إليها ، معروفة باسم « فناه آباد » . وكان عليه أن يستولي عليها قبل الوصول إلى « شوشي » ، وكان « إبراهيم خليل خان » قد أقام فيها حامية . وحين وصل « آقا محمد خان » إلى « فناه آباد » هاجمها بضربها بالمدافع . ودافع عنها جنودها دفاعا مجيدا شجاعا . ولكن « آقا محمد خان » تمكن من فتحها ، بعد أن قتل من جنوده ألفان . ودارت عند أبوابها معركة رهيبة بالسلاح الأبيض والأيدي . وأسر من جنودها سبعة ومائتا جندي . أما الباقي فقد قتلوا كلهم . وكانت عدتهم ، في بعض الأقوال ، ستة آلاف . محاصرة شوشي وتابع « آقا محمد خان » سيره إلى « شوشي » فحاصرها وضربها بالمدافع . وفي هذا الحصار قام « إبراهيم خان جوانشير » بمغامرة أخرى ، إذ خرج من المدينة على رأس جماعة من جنده وانقض على مدافع « آقا محمد خان » فدمرها بتفجيرها بالبارود . وهي حادثة تعد من نوادر الحوادث في حروب الشرق والغرب . ولكن « آقا محمد خان قاجار » وإن يكن قد أصابته هذه الواقعة بضربة شديدة ، استطاع قطع « إبراهيم خليل خان » عن المدينة فعجز عن الرجوع إليها ، واضطر إلى الفرار فسلك سبيل « داغستان » ، وقد فقد أكثر جنوده الذين هجم بهم على المدافع . وكانت نجاته من القتل أمرا عجيبا . وتيسرت الطريق ل « آقا محمد خان » إلى فتح « شوشي » . وبذلك كانت الفائدة التي حصل عليها إبراهيم خليل خان من هذه المغامرة أقل من الخسارة التي نزلت به منها . وأذاع « آقا محمد خان قاجار » في أهل المدينة والمدافعين عنها بواسطة المنادين والرسائل يرمي بها إلى داخل المدينة بالسهام ، خبر فرار « إبراهيم خليل خان » ، ودعاهم إلى ترك المقاومة والتسليم ووعدهم بالأمان . وكان ( 1 )

--> ( 1 ) ذكر « مهدي بامداد » في كتابه « شرح حال رجال إيران » أن مسير هذا الجيش كان في أواسط شهر ذي القعدة سنة 1211 ه‍ .